الثلاثاء، ٣٠ حزيران، ٢٠٠٩

الأزمة الاقتصادية العالمية: هل هي امتحان لمبادئ اقتصاد السوق الحر أم فرصة جديدة للنمو؟

ساد في الصحافة العربية و العالمية قلق كبير بالنسبة لتطور الأزمة الاقتصادية التي بدأت في أمريكا والتي أثرت على أكثر مناطق العالم. مع التراجع في عدد من الوظائف للعاملين, والتقلص في رؤوس الأموال المصرفية والمؤسسية والتراجع في أسعار الموارد الطبيعية, تحول التفاؤل من الآفاق الاقتصاد الى قلق على مستقبل النظام الاقتصادي. هل فشل الجهاز المالي الرأسمالي العالمي نهائيا؟ هل سقطت مبادىء إقتصاد السوق؟ وما هي الاحتمالات للنمو بعد انتهاء الأزمة؟

أولا، قبل أي تحليل أو اتهامات لنظام اقتصاد السوق بالنقص فعلينا أن نجمع الحقائق عما حدث في الاقتصاد العالمي في أعوام سابقة.في الواقع كانت الفترة منذ 30 عاماً الأخيرة الأطول وقتاً لنمو الاقتصاد المستمر في تاريخ البشرية حيث كان فيه المزيد من الفرص لتأسيس صناعات وابتداء مشاريع جديدة ابتكاريه وتجارة دولية بسبب توفر الموارد الكافية. وأتى عرض الموارد من مصادر خاصة وعامة مختلفة وسمح اقتصاد السوق للجميع الحصول عليها. كان المال يلعب دورا خاصا لأن الموارد المالية كانت من العوامل الحاسمة للنمو وهي أتت من المصارف والصناديق المالية والأشخاص الأغنياء من كل العالم , ومع الرغم أن روؤس الأموال غير مادية – تبدو للبعض إن القطاع المالي هو مثل لعب للأغنياء المحايدين فقط – ولكنها تركت نتائج هائلة في كل من المجالات المادية مثل الصناعة والعقارات والخدمات. من أبرز التأثيرات التي تركها القطاع المالي هي أن العقارات والمشاريع و الأعمال مازالت حتى بعد التحديات الكبيرة خلال الأزمة الحالية. ومازال الحاصلين على سعادة العيش مع أسرهم في منازلهم حصلوا عبر عقود الرهان, ومنهم الملايين من مواطنين بلدان الشرق الأوسط. إذا لعب القطاع المالي دورا فعالا و مفيدا حقيقيا.


المنطقة السكنية في القاهرة, 2009

ثانيا، ينبغي أن نفحص المبادىء التي سمحت للتطوير السابق. ظهرت الأزمة الاقتصادية في قطاع العقارات الأمريكية هذه المرة مع أن الأزمة العالمية الآخيرة في الأسواق النامية, بالضبط في روسيا وبلدان آسيا الجنوبية الشرقية في قطاع الأموال. أجمع الخبراء أنه كان سببها عدم توازن في تقييم قدرة السكان الأمريكيون في دفع الأقساط بعد دخولهم إلى صفقات قروض لشراء عقارات سكنية, كذلك أخطأت مؤسسات مالية في تقييم قدرة الشركات الأمريكية لنيل العقارات التجارية, إذ أدت هذه الأخطاء الى فائض كبير من عدد المقترضيين وبقدرة مالية ضعيفة, حتى أن بعضهم لم يستطع دفع الأقساط, وغرقت البنوك – ومعهم جميع المؤسسات المالية العالمية – في رعب وخوف من الإفلاس. ولكن هل هذا الخوف هو حاجة جديدة ضمن اقتصاد السوق؟ على الإطلاق, ها هو فشل بعض الشركات وحتى بعض القطاعات الصناعية التي تعتبر من أهم الوسائل لمعالجة الأزمات و تخليص فرص لمشاريع جديدة وابتكار علمي جديد وتقدم جديد. إن كانت شركات أبدية فلن يكون أي تقدم مطلوب.

إذا كان من الأفضل أن يبقى النظام المالي الحالي، فما هو الأمر الذي يسمح لدول نامية أن تبدأ في النمو الاقتصادي؟ في رأيي – وفي آراء كثير من خبراء الاقتصاد – أنه بالرغم من ردود الأفعال الأولية في تقوية دور الدولة في توزيع الموارد النادرة وقف الواردات وطباعة عملة ورقية، يجب أن يرتكز كل من الدولة والشركات والبنوك – العادية والاسلامية – المنظمات العلمية والتنمية والمستثمرون على العمل المؤسسي الذي يوفر أجواء مريحة للأعمال، منها: أولا, التعاون لتحقيق طموحات لإنجاز قدرة تنافسية استثنائية، و ثانيا تعزيز النظام القانوني العادل إضافة الى القضاء على الفساد ، و ثالثا توفير موارد تنظيمية لتحقيق نمو محلي عبر تشجيع التعاون بين الشركات الأكثر تنافساً في مناطق محلية محددة.

على سبيل المثال، بدلا من المحاولة في تمويل الشركات من قبل الحكومات، يمكن للحكومات في كل أنحاء العالم أن تنفذ بعض الإصلاحات لتحسين الخدمات الحكومية، ومن خلال هذه الطريقة أن تجذب موارد كثيرة من كل أنحاء العالم الى بلدها، ولا يكلف هذا الأمر أكثر من قوة الإرادة. مثال أخر، بدلاً من تمويل شركات وبنوك مفلسة بالأموال العامة، كما فعلت حكومتين أمريكيين حتى الأن، من الأفضل أن تتقدم الحكومات بالتمويل ببرامج لتدريب العمال العاطلين عن العمل بعد أن تم تسريحهم إن يعودوا للمنافسة من جديد. أيضا، يكفي أن تشجع الحكومات تنظيم عدد من مجموعات الشركات المحلية لكي تتعاون بعضهم مع البعض لهدف اكتساب القدرة التنافسية والإتقان تجاه العالم.
إذا نظرنا الى تاريخ الاقتصاد الجديد فسوف نلاحظ أن هذا الزمان ليس من أسوء، والأزمة الحالية ليست شلل مبادىء التجارة والاقتصاد الدولي والنظام المالي. مع ذلك هذه الفرصة جيدة لمعالجة بعض الأخطاء والتوصل لتحقيق الأهداف التنموية لبلداننا.

أندريه إقناتوف،
مستشار،
المجموعة للخبراء في مجال التنمية الاقتصادية المحلية ،
كييف, أوكرانيا
إقرأ المزيد